مظاهرات في عدد من المدن: ملف تعويض ليبيا عن أضرار هجمات «الناتو» يعود إلى الواجهة
بعد نحو 15 عامًا
من هجمات حلف شمال الأطلسي «الناتو» على ليبيا والخسائر في الأرواح من بين
المدنيين التي تسببت بها، تعيد مظاهرات سبتمبر وتحركات «صوت العدالة الليبي» ملف
التعويضات للمتضررين والإعتذار إلى النقاش العام، وسط مطالب بتحويله من تحركات
شعبية وحقوقية إلى مسار قانوني ومؤسساتي يحدد المتضررين وحجم الأضرار والجهات التي
ستتولى المطالبة بها.
أضرار خلفتها إحدى هجمات
«الناتو» على ليبيا في 2011.
طرابلس - شهدت
عدد من المدن في ليبيا، كبني وليد وطرابلس والزاوية ومصراتة، في بداية سبتمبر
الجاري، تحركات ومظاهرات للمطالبة بفتح ملف الأضرار والخسائر الناجمة عن تدخل
«الناتو» في ليبيا خلال الأحداث التي أطاحت بنظام معمّر القذافي عام 2011.
وتمثلت مطالب المشاركين في
التحركات والمظاهرات التي شهدتها عدة مدن ليبية يوم 1 سبتمبر، في التعويض المالي
والإعتباري عن الأضرار والخسائر البشرية والمادية التي خلفتها هجمات الناتو عام
2011، وفق ما ورد في بيان لحراك «صوت العدالة الليبي» الذي دعا إلى تلك الإحتجاجات.
ويؤكد الحراك أن «هذا الحق لا
رجوع فيه»، وأن الليبيين متمسكون بمحاسبة المسؤولين عن تلك الأضرار، وفي مقدمتهم
حلف الناتو وفرنسا، كما سبق أن طالب باسترداد التعويضات من الدول الأوروبية التي
جمدت أصولًا ليبية، وتوجيهها مباشرة إلى المواطنين عبر صندوق وطني مستقل.
تحركات سابقة
لم تبدأ المطالب بفتح ملف
الأضرار والخسائر الناجمة عن تدخل «الناتو» في ليبيا مع تحركات سبتمبر الجاري، ففي
سبتمبر 2025 أصدر حراك «صوت العدالة» بيانًا طالب فيه بإنجاز ملف التعويضات عن
تدخل «الناتو»، مؤكدًا أن الحقوق التي يطالب بها غير قابلة للتصرف أو التنازل.
وطرح الحراك في البيان تصورًا
يقضي باسترداد التعويضات من الدول الأوروبية التي جمّدت أصولًا ليبية، وعدم تسليم
الأموال إلى الحكومات القائمة، وإنما توجيهها إلى المواطنين من خلال صندوق وطني
مستقل يضم ممثلين عن شرق ليبيا وغربها وجنوبها ويخضع للرقابة.
وفي نوفمبر 2025، أعلن الحراك
بدء إجراءات قانونية بالتعاون مع محامين دوليين، ودعا المتضررين وأسر الضحايا إلى
تسجيل بياناتهم ضمن عملية لحصر الحالات، ضمن حملة قال إنها تستهدف المطالبة
بالتعويض عن الاستعمار الإيطالي وهجمات «الناتو».
كما دعا الحراك في الشهر نفسه
إلى مظاهرات شعبية تضمنت مطالبها تحميل الحلف مسؤولية الأضرار الناتجة عن تدخله
العسكري، قبل أن ينظم في ديسمبر مظاهرة سلمية جدد خلالها الحديث عن التعويضات،
وقال إن إجراءات قانونية ذات صلة جرى إعدادها للتوجه بها إلى جهات قضائية دولية.
من قرار مجلس
الأمن إلى..
بدأ الإطار الدولي للتدخل
العسكري في ليبيا بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 1973 في 17 مارس 2011، الذي فرض
منطقة حظر جوي وأجاز اتخاذ «جميع التدابير اللازمة» لحماية المدنيين والمناطق
المأهولة بالسكان المدنيين المعرضين للهجوم. وبدأت دول مشاركة عمليات عسكرية في 19
مارس، قبل أن يتولى «الناتو» القيادة الكاملة للعمليات في ليبيا يوم 31 مارس تحت
اسم «الحامي الموحد».
واستمرت العملية سبعة أشهر،
وشملت الحظر الجوي وحظر توريد الأسلحة والعمليات الجوية ضد أهداف قال الحلف إنها
عسكرية، قبل أن تنتهي رسميًا في 31 أكتوبر 2011. ووفق أرقام «الناتو»، نفذت طائرات
الحلف وشركائه أكثر من 26 ألف طلعة خلال العملية، كان 42% منها طلعات هجومية.
72 مدنيًا على
الأقل
بعد انتهاء الحرب، أجرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تحقيقات ميدانية في مواقع ثماني غارات جوية، وقالت في تقرير أصدرته عام 2012 إنها وثقت مقتل ما لا يقل عن 72 مدنيًا، بينهم 24 طفلًا و20 امرأة.
وأوضحت المنظمة أنها زارت مواقع الضربات وأجرت مقابلات مع شهود وراجعت
وثائق طبية وصور أقمار صناعية ومخلفات ذخائر.
ومن بين الوقائع التي وثقها
التقرير، غارة على منزل في منطقة سوق الجمعة بطرابلس يوم 19 يونيو 2011 أسفرت،
بحسب المنظمة، عن مقتل خمسة أشخاص. وأقر «الناتو» في حينه بأن سلاحًا لم يصب الهدف
المقصود، مرجحًا حدوث خلل في منظومة الأسلحة، وأعرب عن أسفه لسقوط مدنيين.
وفي اليوم التالي، 20 يونيو،
تعرضت مزرعة بمنطقة صرمان لغارات قالت «هيومن رايتس ووتش» إنها أودت بحياة 13
شخصًا، بينهم خمسة أطفال وأربع نساء. وكان «الناتو» قد قال إن الموقع المستهدف
يمثل مركز قيادة وتحكم مرتبطًا بقوات النظام السابق.
وفي 4 أغسطس، وثقت المنظمة
مقتل امرأة وطفليها في غارة أصابت منزلًا بمدينة زليتن، بينما قال الحلف إن الهدف
كان موقع قيادة وتحكم تابعًا لقوات النظام السابق، وأكد لاحقًا أن مراجعته خلصت
إلى أن المواقع التي استهدفها كانت أهدافًا عسكرية مشروعة.
وسبق للناتو أن أعرب عن «أسفه الشديد لأي حالة وفاة مدنية قد يكون مسؤولًا عنها»، لكنه رفض إجراء تحقيق مستقل، مؤكدًا أن أهداف حملته كانت عسكرية ومشروعة.
ماجر.. الحادثة الأكبر
وكانت الغارات على منطقة ماجر
جنوب زليتن في 8 أغسطس 2011 الأكثر دموية بين الحالات الثماني التي حققت فيها
«هيومن رايتس ووتش»، إذ قالت المنظمة إن 34 شخصًا قُتلوا في سلسلة ضربات استهدفت
منازل بالمنطقة.
وقالت المنظمة إنها لم تجد
خلال زياراتها أدلة واضحة تثبت وجود معدات أو أفراد عسكريين في المنازل وقت القصف،
بينما تمسك «الناتو» بأن المواقع التي استهدفها كانت أهدافًا عسكرية مشروعة
استنادًا إلى المعلومات المتاحة لديه.
كما وثق التقرير غارة في منطقة
القرضابية قرب سرت يوم 23 سبتمبر 2011، قال إنها أودت بحياة رجل وطفلتين تبلغان 8
و10 أعوام وأصابت آخرين.
خلاف حول التحقيق
والمسؤولية
طالبت «هيومن رايتس ووتش» بعد
انتهاء العمليات بإجراء تحقيقات في الضربات التي أدت إلى سقوط مدنيين، وقالت إن
عدم وجود هدف عسكري واضح في عدد من المواقع التي عاينتها يثير أسئلة تستوجب
التحقيق. كما اعتبرت أن ثبوت ارتكاب خطأ مخالف لقوانين الحرب يستوجب تعويض الضحايا
وأسرهم عن الوفيات والإصابات والأضرار المادية.
في المقابل، أكد «الناتو» أنه
اتخذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر المدنية، وقال في أبريل 2012 إن
مراجعته للمواقع محل التساؤل خلصت إلى أنها كانت «أهدافًا عسكرية مشروعة»، مع
إبداء الاستعداد للتعاون مع السلطات الليبية في مراجعة الحوادث التي طالت مدنيين.
التصنيفات: سياسة
الوسوم: