حكم البخلاء لا يبني وطننا ولا يحفظ الحقوق

16:41:55 ~ 2026-08-10 آراء


عندما قرأت في كتاب «البخلاء» للجاحظ، وجدت تشابهًا كبيرًا بين استراتيجية البخلاء التي وصفها في كتابه، وبين ما يمكن أن نراه اليوم عندما يتحول بخل الإنسان من صفة شخصية إلى منهج في إدارة المال العام.


وأعجبتني هذه الإسقاطات، فـشرُّ البلية ما يضحك.


فالجاحظ لم يصف البخيل باعتباره شخصًا لا يحب الإنفاق فحسب، بل كشف لنا شيئًا أكثر عمقًا: كيف يستطيع الإنسان أن يبني حول عيبه منظومة كاملة من الحجج والمبررات، حتى يتحول البخل في خطابه من عيب إلى فضيلة، ومن خوف إلى حكمة، ومن حرص إلى حسن تدبير.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.


فإذا كان هذا الإنسان البخيل، كما وصفه الجاحظ، لا يملك إلا ماله الخاص، فما بالك عندما يصل البخيل إلى السلطة والسلاح وميزانية دولة وموارد شعب بأكمله؟

هنا لا يعود البخل مجرد سلوك شخصي، بل يمكن أن يتحول إلى فلسفة حكم واستراتيجية لإدارة الدولة.

فالبخيل لا يقول: «أنا بخيل».


بل يجعل كل قرار من قرارات بخله يبدو منطقيًا عندما يطرحه بفلسفة اقتصادية واجتماعية، ويقدم الحجج حول أوجه الصرف وضرورة ترشيد الإنفاق وأولويات الدولة، بينما تكون النتيجة الفعلية هي توجيه المال في الاتجاه الذي يخدم مصلحته ومصلحة دائرته.

وهنا تكمن العبقرية في فهم الجاحظ.


فالبخيل لا يحتاج إلى أن يقول لك إنه يمنعك من حقك، بل يستطيع أن يجعلك تشك أصلًا في أنك تستحق هذا الحق.

وكلما فكر الناس في المطالبة بحقوقهم، رمى لهم الفتات بالقدر الذي يكفي حتى لا يسقطوه، أو حتى لا يتحول غضبهم إلى خطر حقيقي عليه ولكي لا يكتشفوا الحقيقة ويبعدهم عن فكرة بخله

وعندنا مثل ليبي يقول:

«صاحب العِلّة ينخّصوه مرافقة.»


فالحاكم البخيل لا يعطي الحقوق دفعة واحدة؛ لديه استراتيجية في تقطير الحقوق على أصحابها وفق ما يخدم مصلحته الشخصية ويحافظ على بقائه.

وقد تخرج القرارات والمنح والعطايا والقروض في اللحظة التي يصبح فيها الغضب خطرًا، لإخماد أي فكرة أو احتواء أي غضب، ومعالجة النتيجة مؤقتًا بدل معالجة السبب.

لكن الحاكم البخيل لا يعيش الناس على الفتات فقط، بل يعيشهم أيضًا على الأمل.


يظل يعيش الآخرين في عالم من الأوهام والثقة بأنهم لو صبروا وسكتوا، فسيصلون في النهاية إلى حلم الحياة الكريمة والمستقبل المستقر والأمان.

ويظل يقول لهم: سأفعل.

فإذا طال الانتظار قال: اصبروا.

وإذا فقدوا الأمل، قال لهم:

«لو صبرتم، لحققت لكم ما تريدون.»

وفي الوقت نفسه، يعيش هو وحاشيته في النعيم، ويعلّق آمال الشعب على حصاد سيأتي بعد سنوات من مشاريع «عودة الحياة» وتحسين وضع المواطن، بينما قد تتحول هذه المشاريع، في أسوأ النماذج، من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة لبناء النفوذ والمصالح والحسابات الخاصة.

ويستفيد منها هو ومن معه من المصفقين والمستفيدين، وأولئك الذين في كل وادٍ يهيمون.

الذين إذا سقطت ملكية، وجدتهم يقفزون إلى سبتمبر، وإذا سقط سبتمبر، وجدتهم أول الهاتفين في فبراير.

دون استحياء ولا كرامة.

فمثل هؤلاء لا يكون ولاؤهم إلا لمصالحهم.

وهنا تصبح المسألة أخطر.

فالبخيل عندما يصل إلى الحكم لا يُسقط صفات بخله على من حوله فقط، بل يمكن أن يُسقطها على شعب بأكمله.

وعندما يصبح البخل مسيطرًا على قرارات الحاكم تجاه دولة وشعب، يتحول الخطاب السياسي إلى فلسفة اقتصادية كاملة لتبرير الحرمان.

فتصبح قلة الإنفاق سياسة، وتأجيل الحقوق سياسة، وتأجيل التنمية سياسة، بينما لا يكون التقشف بالضرورة متساويًا على الجميع.


البخيل لا يقول: أنا بخيل

يوصف كتاب «البخلاء» بأنه كتاب مضحك؛ لأن الجاحظ استخدم الحوار والسخرية والمبالغة والمفارقة.

لكن القارئ لا يضحك من البخل نفسه فقط، بل من الفلسفة التي يصنعها البخيل لتبرير بخله.

فالبخيل ليس غبيًا.

بالعكس، البخلاء عند الجاحظ أذكياء، ولديهم قدرة عجيبة على اختراع القصص والحجج وتغيير السيناريوهات حتى يجعلوا سلوكهم يبدو منطقيًا.

وهنا تكمن قيمة الكتاب.

فالجاحظ لا يقول فقط: «لا تكن بخيلًا»، بل يكشف كيف يستطيع الإنسان أن يبرر عيوبه حتى يقتنع بأنها فضائل وحكمة وحسن تدبير.

فالبخيل لا يقول:

«أنا بخيل.»

بل يقول:

«أنا اقتصادي.»

ولا يقول:

«أنا أمنع المال عن الناس.»

بل يقول:

«أنا أحافظ عليه.»

ولا يقول:

«أنا أخاف من الإنفاق.»

بل يقول:

«الكرم الزائد إسراف.»

وهكذا يتحول العيب إلى مبدأ، والخوف من الفقر إلى حكمة، والحرص على عدم الإنفاق إلى عقلانية.

وهذه الفكرة لا تنطبق على البخل وحده.

فالإنسان نادرًا ما يقول عن نفسه: «أنا سيئ».

بل غالبًا ما يخترع تفسيرًا يجعله على حق.

وهذه هي إحدى أهم الرسائل التي تركها لنا الجاحظ.


لكن ماذا لو امتلك البخيل أدوات الدولة الحديثة؟

وتخيلوا أن هذه الاستراتيجية التي وصفها الجاحظ قبل قرون، كانت في زمن لم تكن فيه الدولة الحديثة كما نعرفها اليوم.

لم تكن هناك ميزانيات دولة ضخمة، ولا شركات متعددة الجنسيات، ولا منظومات مصرفية عالمية، ولا أسواق مالية عابرة للحدود، ولا هذا الحجم الهائل من الثروات والموارد.


فإذا كان بخيل الأمس يستطيع أن يبتكر كل تلك الحيل لحماية ماله، فماذا يمكن أن يفعل بخيل هذا الزمن، وهو يمتلك أدوات لم يكن بخيل الجاحظ يحلم بوجودها؟

اليوم توجد الشركات، والمصارف، والعقود، والمشاريع، والمناقصات، والأنظمة المالية، والشركات العابرة للحدود.

وقد تتحول هذه الأدوات، في ظل غياب الرقابة والشفافية، إلى وسائل لتهريب الأموال، وإخفاء المستفيد الحقيقي، والتهرب الضريبي، ونقل المال العام إلى مصالح خاصة.


فبخيل الجاحظ كان يملك كيسًا من المال.

أما بخيل العصر الحديث فقد يمتلك دولة كاملة.

وهنا لا يعود السؤال:

كم يستطيع البخيل أن يوفر من ماله؟

بل يصبح:

كم يستطيع البخيل أن يمنع عن شعب كامل؟


عندما يصبح البخل استراتيجية حكم

عندما يصبح البخل مجرد صفة في إنسان عادي، قد يتضرر منه أقرب الناس إليه.

أما عندما يصبح البخل فلسفة حاكم، فإن دائرة الضرر تتسع بقدر اتساع السلطة.

فقد يتحول بخل الفرد إلى بخل على مجتمع، ثم إلى بخل على الدولة، ثم إلى ضعف اقتصادي وفقر وتبعية.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة:

حرمان → فقر → تبعية → خوف → صمت → استمرار السلطة → مزيد من الحرمان.

والأخطر من البخيل نفسه أن يستجلب معه إلى السلطة كل من يشبهه.

فهو لا يريد حوله من يسأل:

أين المال؟

بل من يقول:

لماذا ننفق؟

ولا يريد من يسأله:

أين حق المواطن؟

بل من يقول:

اصبروا، الظروف صعبة.

وهكذا تتحول الحاشية إلى شبكة مصالح، يحصل أفرادها على نصيب الأسد من مشاريع الدولة الممولة من المال العام، ويدافع كل واحد منهم عن الآخر، لأن سقوط أحدهم قد يهدد مصالح الآخرين.

وعندها تصبح المشكلة أكبر من شخص واحد.

لأن البخل يتحول إلى منظومة.


الفوضى طريق البخلاء الأسهل

فعندما يحكمنا من قفزوا لنا من كتاب الجاحظ، تصبح فلسفة استمرار الفوضى ورفض الانتخابات الطريق السهل لثراء البخلاء، والخطة المضمونة لاستمرار تدفق المال العام بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.

فاستمرار الفوضى يعني استمرار الاستثناء.

واستمرار الاستثناء يعني تعطيل المؤسسات.

وتعطيل المؤسسات يعني ضعف الرقابة.

وضعف الرقابة يفتح الطريق أمام المال العام ليجد طريقه إلى الحسابات والمصالح الخاصة.

ولهذا، فإن التشبث بالسلطة بحجة الفراغ السياسي، أو الخوف من الفوضى، أو رفض الانتخابات بحجة عدم قبول نتائجها، قد يخفي في بعض الحالات خوفًا آخر:

الخوف من أن تنقطع المنفعة.

فالسلطة بالنسبة لمن جعل المال العام مصدرًا لمصلحته ليست مجرد منصب.

إنها مصدر استمرار النفوذ والامتيازات.

فإذا انقطعت السلطة، انقطعت معها الامتيازات.

وإذا انقطعت الامتيازات، بدأت الأسئلة.

وإذا بدأت الأسئلة، ظهرت الحسابات.

وهنا يصبح استمرار الفوضى مصلحة، لا مشكلة.

ويصبح تأجيل الدولة مصلحة.

ويصبح تأجيل الانتخابات مصلحة.

وتصبح الثروة العامة، بدل أن تكون ثروة وطن، وقودًا لاستمرار شبكة المصالح.

وهذه هي الخطة الأسهل لثراء البخلاء: أن تبقى الدولة معلقة، ويبقى المال العام بلا رقابة حقيقية، وتبقى الحقوق مؤجلة.


من بخيل المال إلى بخيل الدولة

ولذلك فإن الإسقاط على عصرنا لا يعني أن كل مسؤول قليل الإنفاق هو بالضرورة بخيل.

فالدولة تحتاج إلى ترشيد الإنفاق وحماية المال العام ومنع الإسراف والفساد.

لكن الفرق الكبير هو:

من يقتصد من أجل الدولة، ومن يمنع المال عن الدولة بينما يستفيد منه لنفسه؟

ومن يحافظ على المال العام من أجل الشعب؟

ومن يحافظ عليه لأنه يعتبره ملكًا خاصًا له ولمن حوله؟

فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بما تملك من أموال، بل بما تفعله بهذه الأموال.

ولا تُقاس فقط بحجم ميزانيتها، بل بما يصل منها إلى المواطن.

ولا تُقاس فقط بعدد المشاريع التي تعلن عنها، بل بما إذا كانت هذه المشاريع قد صنعت دولة أم صنعت شبكات مصالح.

ولهذا فإن أخطر أنواع البخل ليس أن يمنع الإنسان ماله عن الآخرين.

بل أن يمتلك المال العام، ثم يتصرف فيه وكأنه ماله الخاص.

وهنا يصبح البخل خطرًا على فكرة الدولة نفسها.


رسالة الجاحظ التي لم تمت

بعد أكثر من ألف عام، ما زال كتاب الجاحظ قادرًا على أن يجعلنا نضحك.

لكن ربما علينا أن نضحك بقلق.

لأن الشخصيات التي وصفها الجاحظ لم تختفِ.

تغيرت الملابس، وتغيرت الأدوات، وتغيرت اللغة والمؤسسات، لكن الإنسان الذي يستطيع أن يخترع ألف حجة ليبرر حرمان الآخرين ما زال موجودًا.

بل أصبح أكثر خطورة عندما امتلك السلطة.

فبخيل الأمس كان يستطيع أن يمنع ضيفًا من وجبة.

أما بخيل اليوم، إذا امتلك السلطة، فقد يستطيع أن يمنع شعبًا من مدرسة أو مستشفى أو طريق أو مشروع أو فرصة عمل، بينما يشرح لهم في الوقت نفسه أن كل ذلك جزء من خطة اقتصادية حكيمة.

وهنا نكتشف أن الجاحظ لم يكن يكتب عن المال فقط.

كان يكتب عن الإنسان عندما يحاول أن يجعل أنانيته تبدو عقلانية.

وهذه الفكرة لم تمت.

فقد تغير الزمن، لكن البخيل تطور.

وتطورت معه أدواته.

وتضاعفت قدرته على إخفاء بخله خلف الكلمات والقوانين والمصطلحات الاقتصادية.

ولهذا فإن قراءة «البخلاء» اليوم ليست مجرد قراءة أدبية، بل قراءة في النفس البشرية، وفي كيفية صناعة المبررات، وكيف يمكن أن يتحول العيب إلى مبدأ، والأنانية إلى فلسفة، والحرمان إلى سياسة.

وفي النهاية، قد يتغير اسم البخيل، وقد تتغير حججه وملابسه ومكتبه وموقعه.

لكن القاعدة التي كشفها الجاحظ منذ قرون تبقى:

الإنسان يستطيع أن يبرر عيبه حتى يصدقه هو نفسه.

وإذا امتلك هذا الإنسان السلطة، فإن المشكلة لا تبقى مشكلة إنسان.

بل تصبح مشكلة وطن.

حكم البخلاء لا يبني وطننا ولا يحفظ الحقوق.


۞ ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾


التصنيفات: آراء

الوسوم: