إعلام بلا أثر مستدام… حين تغيب الاستراتيجية عن صناعة السردية
حين يتعلق الأمر ببناء الدول فإن الأدوات وحدها
تصبح غير كافية لصناعة النتائج. فوجود المؤسسة لا يعني حتمية فاعليتها، كما إن
امتلاك الوسائل والتقنيات الأكثر تطوراً لا يعني حسن توظيفها. إن القوة الحقيقية
لأي مؤسسة تظهر من خلال عملها ضمن استراتيجية محددة الرؤية والأهداف الواضحة
والواقعية وذات القابلية للتنفيذ وقياس نتائجها.
ولا تنطبق هذه القاعدة على المؤسسات التنفيذية
وحدها، بل تشمل الإعلام بوصفه إحدى المؤسسات المؤثرة في تشكيل الإدراك العام.
وفي الحالة الليبية، يبرز الإعلام بكثافة في نقل
الأحداث، ومتابعة التطورات، وإنتاج المحتوى. غير ان قياس فاعلية الإعلام لا يحدد
بحجم الإنتاج أو سرعة التغطية، بل من خلال الإجابة عن ما حققته كل الوسائل
والرسائل من تأثيرٍ في وعي المجتمع واتجاهاته ونظرته إلى الحاضر والمستقبل؟
تكشف الإجابة عن هذا السؤال المسافة بين الإعلام
بوصفه أداة والاتصال الاستراتيجي كمنظومة عمل، فالإعلام ينقل ما يحدث، أما الاتصال
الاستراتيجي فينظر إلى ما ينبغي أن يحدث بعد وصول الرسالة، فهو يسأل: ماذا نريد أن
يفهم الجمهور؟ وما الصورة التي نريد ترسيخها؟ وكيف تتكامل الرسائل بين المؤسسات
والمنصات؟ وكيف يتحول المحتوى من استجابة يومية للحدث إلى عنصر يدعم الثقة
والاستقرار والتماسك المجتمعي؟
وهذا ليس انتقالاً تقنياً من وسيلة إلى أخرى،
وإنما انتقال في فلسفة العمل ذاتها من إدارة الرسائل إلى إدارة أثرها، فالإعلام
الذي يعمل بمنطق ردات الفعل يظل رهيناً لمجريات الأحداث، أما الإعلام الذي يعمل
ضمن رؤية، فيستطيع أن يصبح جزءاً من عملية بناء الثقة وترتيب الأولويات وتهيئة
المجتمع للتعامل مع التحولات الكبرى بهدوء ومسؤولية.
وهنا تبرز أهمية هندسة السردية في معناها الاستراتيجي،
بوصفها طريقة لتنظيم الوقائع والمعاني داخل إطار يساعد الجمهور على فهم ما يجري،
وربط الحاضر بالمستقبل، وتحويل المعلومات المتفرقة إلى معنى يمكن استيعابه والبناء
عليه.
فالمجتمعات لا تتفاعل مع الوقائع المجردة وحدها،
بل مع المعاني التي تضفيها على هذه الوقائع.
ولهذا فإن ترك المجال العام بلا رؤية سردية واضحة
سيؤدي حتماً إلى تعددها، لتبدأ كل مؤسسة أو جهة أو منصة في إنتاج تفسيرها الخاص
للأحداث، فتتحول البيئة الإعلامية تدريجياً إلى مجموعة من الرسائل المتنافسة التي
قد تزيد التشويش بدلاً من أن تساعد على الفهم.
ومن هنا يمكن النظر إلى الإعلام باعتباره جزءاً
من البنية المؤسسية الناعمة للدولة، ذات الحاجة إلى بناء الكفاءات القادرة على فهم
الجمهور، وتحليل البيانات، واستشراف الاتجاهات، وإدارة الأزمات الاتصالية، وتصميم
الرسائل، وقياس أثرها، لتصبح الجاهزية الاتصالية جزءاً من جاهزية الدولة نفسها.
فالدولة قد تتخذ قراراً مهماً، غير ان نجاح
القرار يحتاج إلى اتصال يشرح أبعاده، وقد تنفذ مؤسسة مشروعاً، لكن أثر المشروع
يتضاعف عندما يستطيع الجمهور فهم قيمته، وقد يتحقق إنجاز، غير ان غياب التواصل
الفعال قد يحجب عن المجتمع إدراكه أو الثقة في استمراريته.
ومن ثم، فإن الإعلام لا ينبغي أن يُنظر إليه
باعتباره تابعاً للأحداث، بل باعتباره مؤسسة قادرة على المساهمة في صناعة البيئة
التي تتحرك فيها بقية المؤسسات.
إن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الليبي ليس في أن
يصبح أكثر حضوراً، فهو حاضر بالفعل، ولا
في إنتاج مزيداً من المحتوى، إن التحدي هو أن يصبح أكثر فاعلية وقدرة على صناعة
أثر قابل للقياس والاستدامة.
وهذا يتطلب إعادة التفكير في المؤسسة الإعلامية
نفسها من حيث أهدافها، وهيكلها، وكفاءاتها، وآليات التنسيق داخلها، وقدرتها على
التدريب والتطوير، والأهم قدرتها على الانتقال من الاستجابة إلى الاستشراف.
فكما أن المؤسسة القوية لا تُبنى بالشعارات، فإن
الإعلام المؤثر لا يُقاس بكثرة ما يقول، وإنما بقيمة ما يضيفه.
وقد تكون هذه هي النقلة التي يحتاجها الإعلام
الليبي اليوم، لتتحول من متابعة الحدث إلى استشراف أثره، ومن إنتاج الرسالة إلى
إدارة معناها، ومن كثافة الحضور إلى قوة التأثير، ومن رد الفعل إلى صناعة الاتجاه، ومن امتلاك الأدوات إلى بناء القدرة المؤسسية على
استخدامها.
فالدولة التي تريد مؤسسات قوية تحتاج، بالتوازي،
إلى منظومة اتصال فعالة تساعد المجتمع على فهم قرارتها، والمؤسسة التي تنجز وتخطط
للمستقبل، تحتاج أن يُحيل الاتصال إنجازاتها إلى معرفة وثقة وان يمنح سرديتها معنى
يمكن للمجتمع أن يراه ويفهمه ويتفاعل معه.
وختاماً، ليست القضية أن يكون لدينا إعلام أكثر،
بل أن يكون لدينا إعلام يمتلك القدرة على صناعة الأثر فالغاية أولاً، ثم الرؤية،
فالاستراتيجية، تليها الأداة.
قد يكون الإعلام حاضراً في كل مكان، لكن الفارق
الحقيقي يبدأ حين يصبح هذا الحضور جزءاً من رؤية تعرف إلى أين تريد أن تقود
المجتمع، ولماذا، وكيف ستقيس أثر ما تفعله.
التصنيفات: آراء
الوسوم: