التعاقدات الأجنبية في الدوري الليبي: استثمار محفوف بالمخاطر أم رافعة نوعية؟
اتحاد الكرة الليبي حسم الجدل جزئياً بقرار واضح، يتمثل
في أنه يُسمح لكل نادٍ بتسجيل (7) لاعبين أجانب كحد أقصى في موسم 2025/2026، مع
إشراك (5) منهم فقط في المباراة
الواحدة، على أن يُخفَّض العدد إلى (5) لاعبين فقط في قائمة الفريق
الأول اعتباراً من موسم 2026/2027، مع حظر كامل على مشاركة حراس مرمى أجانب.
هذا التدرج التنازلي مؤشر مهم بذاته، فالاتحاد يعترف
ضمنياً بأن الانفتاح غير المنضبط يحمل مخاطر، ومن ثم اختار جرعة محسوبة بدل الحظر
أو الإباحة المطلقة.
حجة "الرافعة النوعية" — ولها سند واقعي
فداعمو التعاقدات الأجنبية يرون أنها ترفع مستوى
المنافسة وتنعكس إيجاباً على أداء الأندية في البطولات القارية، وأن الاحتكاك
بخبرات أجنبية يطور مهارات اللاعبين المحليين وينعكس على المنتخب الوطني ، وهذا
ليس افتراضاً نظرياً ، فالأرقام تدعم هذا التوجه جزئياً ، فقائمة أغلى عشرة لاعبين
في مرحلة التتويج بالدوري هذا الموسم تصدرها مهاجم كاميروني بقيمة تسويقية بلغت ( 1.5 مليون يورو )، تليه أسماء سنغالية ومغربية
وتونسية وجنوب أفريقية ومالية ، أي أن النخبة الفنية الفعلية للبطولة أصبحت مختلطة
الجنسيات بامتياز، لا هامشية الوجود.
والمقارنة الإقليمية منطقية وليست تجميلية فأنصار هذا
التوجه يستشهدون بأن الأندية الكبرى في شمال إفريقيا كالأهلي المصري والترجي
التونسي تعتمد بشكل كبير على المحترفين لتطوير قدراتها الفنية وهو نموذج نجح
فعلياً في رفع تنافسية هذين الناديين قارياً.
حجة "الاستثمار المحفوف بالمخاطر" — والخطر
مؤسسي لا فني
هنا من وجهة نظري يكمن التحليل الأهم من زاوية الحوكمة،
فالتعاقدات الأجنبية تثير جدلاً حقيقياً بين من يدعمها لتطوير المستوى الفني ومن
يحذر من الأعباء المالية التي قد تصل إلى حد عقوبات من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وهذا
التحذير ليس تفصيلاً هامشياً، فالالتزامات المالية غير مسددة تجاه لاعبين أو أندية
أجنبية من أكثر أسباب حظر التسجيل الدولي (FIFA transfer ban) شيوعاً في
الدوريات الأفريقية والعربية الناشئة.
أضف لذلك أن فترة الانتقالات الأخيرة شهدت تهافتاً
قياسياً غير مسبوق من الأندية الـ 35 المشاركة في الدوري، في موسم وصفه المراقبون
بأنه سيكون مرهقاً نظراً للعدد الكبير من الأندية أي أن الظاهرة تتضخم بمعدل أسرع
من قدرة الأندية على تحمّلها مالياً، لا بمعدل نمو إيراداتها الفعلي.
في النهاية
التعاقدات الأجنبية ليست خيراً مطلقاً ولا ينبغي رفضها
كأمر مفروض، وإنما أثرها يحدده عاملان:
(1) - ضرورة التدرج التنازلي (7→5) وحظر الحراس الأجانب يمثل خطوة متوازنة تحمي المركز الأكثر حساسية وطنياً.
(2) - ضرورة تنظيم الانضباط المالي المؤسسي للأندية،
وهنا يكمن الأهمية الكبري لا في مبدأ التعاقد، بل في التهافت غير المدروس مالياً
الذي يهدد بعقوبات دولية تُفرغ أي مكسب فني من قيمته.
أو برؤية أخرى بصيغة، فأن التعاقدات الأجنبية ترفع سقف الدوري الليبي فنياً بلا شك، لكنها تبقى استثماراً محفوفاً بالمخاطر ما لم يواكبها انضباط مالي وإداري بنفس سرعة هذا الانفتاح.
التصنيفات: آراء
الوسوم: