الإخوان المسلمون فشل الأيديولوجيا وعجز التنظيم عن بناء الدولة
أثبتت تجارب السنوات الماضية أن كثيرا من التنظيمات السياسية استطاعت الوصول إلى السلطة من خلال استثمار الغضب الشعبي والأزمات السياسية، لكنها لم تستطع تقديم نموذج مختلف في إدارة الدولة.
وتظهر تجربة جماعة الإخوان المسلمين بصورة واضحة في هذا الواقع، فقد دخلت الحركة السياسية في مصر وتونس والسودان وليبيا في مراحل مختلفة، وشاركت في الحكم أو أثرت في مساره، لكن النتائج كشفت عن ضعف واضح في قدرتها على تقديم مشروع سياسي متماسك للإصلاح وبناء الدولة.
فشل الإخوان المسلمين في تقديم خطاب سياسي مقنع خلال فترات وجودهم في الحكم لم يكن مجرد مشكلة في أسلوب الخطاب، بل ارتبط بطبيعة التنظيم وطريقة تعامله مع الدولة والمجتمع. فقد انتقلت بعض قياداتهم من خطاب المعارضة إلى ممارسة السلطة من دون مراجعة حقيقية لأدوات العمل السياسي. وظل منطق التنظيم حاضرا داخل مؤسسات الدولة، كما أصبحت المنافسة السياسية في بعض الحالات مرتبطة بالصراع بين الجماعة وخصومها بدلا من بناء نظام سياسي يقوم على التعدد والمواطنة.
تجارب مصر وتونس والسودان وغيرها كشفت أن الحركات الإسلامية ليست بعيدة عن المشكلات التي كانت تنتقدها في الأنظمة السابقة. فقد ظهرت داخلها صراعات على النفوذ، وحسابات حزبية، ومحاولات لتوسيع السيطرة على مؤسسات الدولة، وضعف في التعامل مع القوى السياسية الأخرى. لذلك فإن وصول الإسلاميين إلى السلطة لم يكن كافيا لإحداث التغيير الذي وعدوا به.
المشكلة ليست في الدين ولا في ممارسة الشعائر، وإنما في تحويل الدين إلى أداة سياسية تمنح جماعة معينة حق تقديم نفسها باعتبارها ممثلة للحقيقة الدينية. عندما يصبح التنظيم السياسي مرتبطا بتفسير ديني محدد، يصبح نقد القيادة السياسية قابلا للتصنيف باعتباره نقدا للدين نفسه، وهنا تضيق مساحة النقاش السياسي.
ليست المشكلة في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه. القضية تتعلق بحق الفرد في الاختيار، وبطبيعة المجتمع الذي يسمح بتعدد أنماط الحياة. عندما توجد مناطق أو مجتمعات تفرض على النساء الحجاب أو النقاب وترفض خيارات أخرى، فإن النقاش يجب أن يتجه إلى طبيعة السلطة الاجتماعية التي تفرض هذا الخيار، وإلى العلاقة بين الدين والحياة العامة، وليس إلى قطعة الملابس نفسها.
كما أن وصف بعض المناطق بأنها محررة أو ثورية لا يعني بالضرورة أنها تجاوزت الثقافة المحافظة. يمكن أن توجد لغة سياسية ثورية إلى جانب ممارسات اجتماعية تقوم على الوصاية والتدخل في حياة الأفراد. ولذلك فإن التحرر السياسي لا يكتمل من دون حرية اجتماعية وفكرية تسمح للإنسان بالاختلاف في المعتقد واللباس وطريقة الحياة.
نقد الفكر الديني المتطرف ضرورة سياسية وفكرية، لكن النقد نفسه يحتاج إلى مراجعة مستمرة. فمواجهة الأيديولوجيا الدينية بأيديولوجيا متشددة أخرى لا تنتج مجتمعا حرا. وقد تتحول بعض الخطابات المناهضة للدين إلى خطاب إقصائي لا يختلف في بنيته عن الخطاب الذي ينتقده، خصوصا عندما يتعامل مع المجتمع باعتباره كتلة متخلفة تحتاج إلى إعادة تشكيل بالقوة. المطلوب هو نقد الأفكار والممارسات التي تتعارض مع الحرية والمواطنة والمساواة، وليس الدخول في صراع مع الناس بسبب معتقداتهم.
التصنيفات: آراء
الوسوم: