ثروة نفطية وفقر متزايد.. لماذا يتمسك الليبيون بالدعم؟
بنغازي– بينما تنتج ليبيا أكثر من مليون برميل من النفط يومياً، يواجه المواطن
ارتفاعاً في كلفة المعيشة وتراجعاً في قدرته الشرائية، مع وصول التضخم إلى مستويات
مرتفعة، في مفارقة تعيد طرح سؤال أعمق حول قدرة الاقتصاد النفطي على تحويل الثروة
إلى مستوى معيشة أفضل.
ويصف أيوب الفارسي، عضو لجنة
السياسات النقدية بمصرف ليبيا المركزي، استمرار الفقر والحاجة إلى الدعم بأنه «شهادة
حية على الفشل» في إدارة الثروة النفطية، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في نقص
الموارد بقدر ما ترتبط بطريقة إدارة الاقتصاد وتوزيع عائدات النفط.
وقال الفارسي إن «المواطن لا
يستطيع تحمل التكلفة الفعلية للوقود في ظل تدني القوة الشرائية للدينار وضعف القوة
الإنتاجية للبلاد»، مشيراً إلى أن الدعم أصبح بالنسبة لكثير من الأسر وسيلة لتخفيف
أعباء المعيشة وليس خياراً اقتصادياً ترفياً.
ويرى الفارسي أن إصلاح منظومة
الدعم لا ينبغي أن يبدأ من المواطن، قائلاً إن «من يملك الثروة ويديرها عليه أن
يصلح نفسه أولاً، وهي الدولة ومؤسساتها».
وبلغ معدل التضخم 13 بالمئة في
يوليو 2026، مقارنة مع 12.7 بالمئة في يونيو، وفق بيانات مصلحة الإحصاء والتعداد،
بينما تستحوذ مجموعة الغذاء والمشروبات على 40.39 بالمئة من سلة المستهلك، وهي
النسبة الأكبر بين مكوناتها، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز بنسبة
24.09 بالمئة.
وتشير دراسات مبنية على بيانات
مسح الدخل والإنفاق الأسري إلى أن أكثر من 30 بالمئة من الأسر الليبية تقع تحت خط
الفقر، في مؤشر يعكس حجم الضغوط الاجتماعية في أكبر بلد منتج للنفط في أفريقيا.
ويحذر علي الشريف، أستاذ
الاقتصاد بجامعة بنغازي، من أن رفع الدعم دون توفير بديل قد يفاقم الضغوط على
الأسر.
وقال في منشور على فايسبوك «من يعيش في رغد العيش ولا يعيش حياة المواطن البسيط
يرى أن دعم المواطن إجراء خاطئ ويطالب بطريقة أخرى».
ويضيف الشريف أن الدعم الحالي
«ليس حلاً مثالياً»، لكنه في الظروف الراهنة يمكن أن يكون «محاولة لإجراء عملية
إسعاف»، خصوصاً عندما تصل الضغوط إلى سعر الخبز، إلى حين استقرار الأوضاع وإعداد
دراسة تحدد نوع الدعم والفئات المستحقة له.
وبدأت أسعار الخبز في الارتفاع
في عدد من المناطق تحت ضغط ارتفاع تكاليف الإنتاج، فيما ارتفع سعر قنطار الدقيق من
190 ديناراً في يناير إلى نحو 275 ديناراً في يوليو، وفق نقابة المخابز.
وتكشف هذه التطورات أن مشكلة
الدعم لا تنفصل عن هيكل الاقتصاد الليبي إذ أن زيادة إنتاج النفط قد توفر إيرادات
أكبر، لكنها لا تعالج وحدها اقتصادا يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق العام
والاستيراد، ولا توفر بديلاً مستداما للأسر التي تواجه ارتفاع الأسعار.
وتبقى المفارقة أن ليبيا تمتلك
موارد نفطية كبيرة وإنتاجاً يتجاوز مليون برميل يومياً، لكنها لا تزال تعتمد على
الدعم لتخفيف كلفة الوقود والغذاء والكهرباء عن المواطنين.
ويرى الفارسي أن «وجود الفقر
في ليبيا» رغم هذه الموارد يمثل دليلا على خلل أعمق في إدارة الثروة، إذ إن معالجة
المشكلة، في رأيه، تبدأ من إصلاح الدولة ومؤسساتها وطريقة إدارتها للموارد، قبل
تحميل المواطن كلفة الإصلاح.
التصنيفات: اقتصاد
الوسوم: