من "إرهاق السداسي" إلى "مقامرة الفاصلة"

23 Sep 2026 admin@admin آراء

اعلامي عبد اللطيف الربعة

 

بنغازي | من "إرهاق السداسي" إلى "مقامرة الفاصلة" إن إدارة بطولات كره القدم وتصميم نظام المسابقات المحلية ليست مجرد قرارات إدارية تتخذ لتقليص الآجال الزمنية أو ضغط المصاريف المالية بل هي علم قائم على مبادئ التكافؤ والعدالة الرياضية والتخطيط الاستراتيجي الذي يضمن حماية استثمارات الأندية وصناعة منتج كروي عالي الجودة.


ومن هذا المنطلق يأتي القرار الأخير للاتحاد الليبي لكرة القدم بتقليص نظام تحديد البطل إلى مباراة فاصلة واحدة تجمع بين متصدري المجموعتين (الشرقية والغربية) ليطرح علامات استفهام جادة وحقيقية حول الجدوى الفنية والرياضية لهذا الخيار.. ففي عرف تنظيم المسابقات الرياضية يفرق الخبراء بوضوح بين فلسفة "الدوري" وفلسفة "مسابقات الكأس" فالدوري هو مسابقة "نفس طويل" تقاس فيها استمرارية الأداء وعمق التشكيلة واستقرار الأندية عبر عشرات الأسابيع والهدف منه هو منح اللقب للفريق الأفضل والأكثر ثباتا طوال الموسم.


على عكس الكأس الذي هو مسابقة خروج المغلوب قائمة على المفاجآت والإثارة حيث يمكن لجزئية صغيرة أو ظروف طارئة (بطاقة حمراء اواصابة مفاجئة اوخطأ تحكيمي أو ركلات ترجيح) أن تحسم اللقاء.


هنا تحويل ختام بطولة الدوري الممتاز إلى "مباراة واحدة حاسمة" هو تغليب لثقافة مسابقات الكأس على حساب مفهوم الدوري.. و هذا القرار ينسف جهد موسم كامل من العرق والتدريب ويختزله في 90 دقيقة قد تلعب فيها ظروف الطقس أو سوء أرضية الملعب أو سوء التحكيم دورا حاسما في سلب لقب من مستحقه.


إن الأندية الليبية تخوض سنويا معارك مالية وإدارية طاحنة فتبرم عقودا بالملايين للتعاقد مع أطقم فنية أجنبية ولاعبين محترفين لتشكيل فرق قادرة على المنافسة.


و في ظل هذا النظام ماذا عن الفريق الذي ينهي دوري المجموعات في المركز الثاني أو الثالث بفارق نقطة واحدة أو بفارق أهداف بعد جمع عشرات النقاط؟ هذا الفريق يحرم نهائيا من أي فرصة للمنافسة ويجد كل استثماراته في أروقة الموسم الفاشل رغم أنه قد يكون فنيا أفضل وأكثر جاهزية من متصدر المجموعة الأخرى.


من جهه اخرى عندما تدرك فرق المركزين الثاني والثالث بحلول منتصف الموسم أن بطاقة التأهل حُسمت لمتصدر المجموعة ستتحول بقية المباريات إلى مجرد تحصيل حاصل مما يؤدي إلى هبوط المستوى الفني للمسابقة وتزايد الشكوك حول التراخي أو التلاعب في الأسابيع الأخيرة.


اننا نتفهم دوافع اتحاد الكرة فتجربة "الدوري السداسي" في السنوات الماضية -رغم تفوقها الفني- تشوهت بسبب الإقامة خارج حدود الوطن وتكاليفها الباهظة ومد المسابقة لشهور إضافية وتوقفها المكرر بالاضافة الى الاتهامات المتبادلة والتوترات التنظيمية والشبهات التي رافقتها.


لكن علاج المشكلة الإدارية لا يكون بإلغاء العدالة الفنية فالانتقال من مسابقة مكلفة ومطولة (السداسي) إلى مسابقة مختزلة بمواجهة واحدة (الفاصلة) هو علاج للمشكلة بأسلوب "الهروب إلى الأمام" وليس بأسلوب التطوير والتنظيم الاحترافي.


هناك صيغا كروية متعددة توازن بين ضغط الوقت والمصاريف وبين تحقيق الحد الأدنى من التكافؤ والعدالة منها مثلا دوري رباعي مصغر عبر التباري بين الأربعة الكبار (أول وثاني كل مجموعة) بنظام دوري من دور واحد في ملاعب محايدة مختارة بعناية داخل ليبيا وبجدول مضغوط ومحدد سلفا لا يتعدى اسبوعين.


إن حماية النزاهة الرياضية وصيانة جهود الأندية ورؤسائها وجماهيرها تتطلب من الاتحاد الليبي لكرة القدم إعادة النظر في هذه الآلية فصياغة اللوائح ونظام المسابقات ليست مجرد تخفيف لأعباء اللجان المنظمة بل هي الأساس الذي يبنى عليه مستوى المنتخب الوطني وسمعة الكرة المحلية.

 

 

التصنيفات: آراء

الوسوم: