أستاذ اقتصاد بجامعة بنغازي لـ«صحيفة اليوم24»: استقالة محافظ المركزي تهدد استقرار الصرف وتضغط على الاستثمار

19:16:33 ~ 2026-08-10 اقتصاد

مصرف ليبيا المركزي


بنغازي – تجاوز سعر الدولار حاجز 9 دنانير ليبية في السوق الموازية، اليوم الاثنين، بالتزامن مع تقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، طلبًا للاعتذار عن الاستمرار في مهامه، في تطور يضيف ضغوطًا جديدة على سوق الصرف والاقتصاد الليبي.


وفي تصريح لـ«صحيفة اليوم24»، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن استقالة المحافظ تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد من اختلالات في المالية العامة واستمرار الإنفاق خارج إطار الموازنة الموحدة، محذرًا من أن تداعياتها قد تتجاوز سوق الصرف لتطال التضخم والاستثمار والقدرة الشرائية للمواطنين.


وأوضح الشريف أن السياسة النقدية شديدة الحساسية تجاه أي معلومات أو تصريحات تصدر عن المؤسسة النقدية، قائلًا: «حتى بمعلومة بسيطة تخرج من المؤسسة النقدية تقلق فوضى في السوق، خاصة إذا كانت هذه المعلومة سلبية، فما بالك باستقالة رئيس المؤسسة».


ويرى الشريف أن مغادرة المحافظ في هذا التوقيت قد تزيد حالة عدم اليقين في السوق، وتؤثر في الاستقرار النسبي الذي شهده سعر الصرف خلال الفترة الماضية، محذرًا من «ارتفاع أسعار الصرف بأشكال غير مسبوقة في السوق الموازي»، وما قد يترتب عليه من ارتفاع في معدلات التضخم.


الإنفاق خارج الموازنة يضغط على الدولار


وربط أستاذ الاقتصاد جزءًا من الضغوط على سوق الصرف بغياب الانضباط في المالية العامة، في ظل استمرار الانقسام الحكومي ووجود حكومتين، وما يرافق ذلك من إنفاق في الشرق والغرب.


وقال إن الإنفاق يتجاوز في بعض الحالات قدرات الموازنة المركزية، فيما تخرج أموال من إطار الموازنة الموحدة، الأمر الذي يزيد الطلب على الدولار ويضغط على سعره في السوق الموازية.


وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي حاول خلال الفترة الماضية الحفاظ على قدر من الاستقرار في سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، لكن استمرار الإنفاق خارج إطار الاتفاق الموحد يبقي الضغوط قائمة.


تراجع الإيرادات وارتفاع فاتورة الوقود


وأشار الشريف إلى أن الضغوط لا تقتصر على الإنفاق، بل تشمل أيضًا الإيرادات، متسائلًا عن أسباب تراجعها رغم ارتفاع أسعار النفط.


وقال إن فاتورة استيراد الوقود ارتفعت، وفق تقديراته، إلى نحو 1.4 مليار دولار خلال شهر واحد، وهو رقم وصفه بأنه «غريب جدًا ويحتاج إلى تفسير»، معتبرًا أن استمرار هذه الاختلالات يزيد صعوبة إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار سوق الصرف.


استقالة المحافظ وأزمة جهاز المخابرات


وتحدث الشريف كذلك عن الأزمة المرتبطة بجهاز المخابرات، وما رافقها من مطالبات بإقالة رئيس الجهاز وتكليف رئيس جديد، معتبرًا أن هذه التطورات خلقت ضغوطًا إضافية على محافظ مصرف ليبيا المركزي خلال الأيام الأخيرة.


وقال إن هذه التطورات ربما كانت أحد العوامل التي زادت القلق في السوق، مشيرًا إلى أن الرسائل السياسية السلبية تنعكس سريعًا على سعر الصرف.


وفي هذا السياق، قفز الدولار في السوق الموازية إلى نحو 9.2 دينار لفترة محدودة، بحسب الشريف، الذي وصف ذلك بأنه «مؤشر خطير»، مضيفًا أن سعر الصرف يمثل «الترمومتر الذي يقيس حرارة الجسم».


استقالة عيسى وموقف مجلس الدولة


وتأتي تصريحات الشريف بعد تأكيد ناجي عيسى أنه تقدم باستقالته إلى مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة، في وقت لم تُحسم فيه بعد الإجراءات المتعلقة بالاستقالة.


وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، قد وجّه عيسى إلى الاستمرار في أداء مهامه، مؤكدًا أن ذلك ضروري «لضمان استمرارية عمل المصرف المركزي دون أي انقطاع»، والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي والسياسي.


كما طالب تكالة المحافظ بالتركيز على ضبط الإنفاق العام ومنع أي تجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي، إلى حين النظر في طلب الاستقالة والبت فيه وفق القواعد والإجراءات الدستورية والقانونية.


وبحسب المجلس الأعلى للدولة، فإن عيسى قدم كتابًا بتاريخ 9 أغسطس، تلقاه المجلس في اليوم التالي، من دون ذكر أسباب طلب الاعتذار عن الاستمرار في منصبه.


من الدولار إلى المواطن والاستثمار


وحذّر الشريف من أن استمرار صعود الدولار لن يبقى محصورًا في سوق الصرف، إذ تنتقل آثاره إلى أسعار السلع والخدمات، ما يرفع التضخم ويضغط على القوة الشرائية للمواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول المحدودة والثابتة.


وقال إن ارتفاع التضخم قد يدفع مزيدًا من المواطنين نحو مستويات الفقر، في وقت لا يملك فيه الموارد المحدودة قدرة كافية على مواكبة ارتفاع الأسعار.


ولا يتوقف الأثر عند المواطن، بحسب الشريف، إذ يمكن أن تمتد تداعيات اضطراب سعر الصرف إلى الاستثمار، مع ارتفاع تكاليف النشاط الاقتصادي وزيادة حالة عدم اليقين، ما قد يدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم أو إعادة تقييم مخاطر الاستثمار في ليبيا.


ويضع ارتفاع الدولار واستقالة محافظ المصرف المركزي الاقتصاد الليبي أمام اختبار جديد، في وقت تتداخل فيه أزمة سعر الصرف مع الإنفاق العام والإيرادات والإنفاق على الوقود.

التصنيفات: اقتصاد

الوسوم: