الإعلام في الميزان: عندما تتحول الصحافة إلى ساحة للتضليل والابتزاز السياسي
خاص - اليوم 24
بقلم: مؤسسة السيلفيوم للدراسات والابحاث
تُعدّ الصحافة والمؤسسات الإعلامية في المجتمعات المعاصرة الركيزة الأساسية لنقل الحقيقة وتشغيل الرأي العام وفق حقائق جليّة ومجردة. لكن، حينما تنحرف الممارسة الصحفية عن قواعدها الأخلاقية والمهنية وتتحول الوسيلة الإعلامية إلى أداة لنشر التسريبات غير الدقيقة وتلفيق الادعاءات بحق الشخصيات والمؤسسات، فإنها تضع مصداقيتها على المحك وتدخل في نزاعات قانونية تعصف بوجودها وسمعتها المؤسسية.
تُقدم حالة صحيفة "إيل فوليو" (Il Foglio) الإيطالية أنموذجاً لكيفية سقوط بعض الوسائل الإعلامية في فخ "التضليل الإعلامي" والخروج عن جادة المهنية، وهو ما تجلّى بوضوح في التقارير الأخيرة التي أعدها الصحفي "لوكا غامبارديلا" والمتعلقة بالملف الليبي والشؤون الأمنية والإقليمية.
تسريبات شائكة وملاحقات قضائية دولية
أظهرت قراءة استقصائية شاملة للسجل القانوني للصحيفة الإيطالية – وفق دراسة حديثة أعدتها مؤسسة سلفيوم للدراسات والأبحاث – أن الصحيفة باتت تواجه حزمة حادة من الدعاوى القضائية بتهم التشهير وفبركة الأخبار من قِبل قادة وأجهزة دولة وشركات عالمية:
• استهداف الشخصيات والاتهامات الموجهة: زجت الصحيفة بأسماء شخصيات كـ "يوسف العبيدي"، وربطتها بادعاءات باطلة تتعلق بما أسمته "خلية تخريبية" وصفقات طائرات مسيرة. هذه المزاعم سرعان ما تهاوت قانونياً، بعدما نفى العبيدي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، وشرع في مقاضاة الصحيفة عبر مكتب المحاماة الدولي الشهير (Baker McKenzie) بتهمة التشهير وتلفيق الأخبار.
• الصدام مع أجهزة الاستخبارات: لم تقف ممارسات الصحيفة عند حدود الأفراد، بل امتدت لتطال مؤسسات السيادة؛ حيث نشرت تقريراً ينطوي على معلومات مغلوطة بخصوص زيارة سرية لمدير المخابرات الخارجية الإيطالية (AISE) "جوفاني كارافيلي" إلى ليبيا. وهو التقرير الذي وصفه الجهاز نفسه بأنه "محض خيال ومفبرك"، وأعلن على إثره اتخاذ إجراءات قانونية لحماية الأمن القومي ومصداقية الجهاز.
• الإضرار ببيئة الاستثمار والاقتصاد: طالت الادعاءات الملفات الاقتصادية الحساسة، عبر إقحام مدير شركة "ريبسول" الإسبانية في ليبيا "ميكيل أغيري" في قضايا أمنية. ورداً على ذلك، أصدرت الشركة النفطية العملاقة نفياً قاطعاً، واضعة الصحيفة في مواجهة نزاع تجاري وقضائي دولي جديد يهدد سمعتها في أوساط قطاع الأعمال.
أبعاد الصراعات السياسية الداخلية في إيطاليا.
هذا السلوك التحريري القائم على نشر معلومات غير دقيقة لا ينفصل عن صراعات الصحيفة في الداخل الإيطالي؛ إذ تواجه "إيل فوليو" ملاحقات قانونية مستمرة من رموز سياسية بارزة:
1. قضية وزير المؤسسات (أدولفو أورسو): يطالب الصحيفة بتعويضات مالية ضخمة تتراوح بين 250 ألف و500 ألف يورو بسبب نشر تقارير اعتبرها كاذبة ومضللة وتستهدف مسيرته السياسية.
2. قضايا الإدارة المحلية: تلاحق الصحيفة دعاوى منفصلة من عمدة روما السابق لاتهامها بنشر معلومات مغلوطة وتهم تشهير ترتبط بملفات تمويل مؤسسات ثقافية وسينمائية (سينما أمريكا).
تحليل أسباب الانحراف المهني: التسريبات والمصالح المتشابكة
إن تتبع النمط التحريري لصحيفة "إيل فوليو" يظهر اعتمادها المفرط على ما يُعرف بـ "صحافة الوصول والتسريبات" (Access Journalism). حيث تعتمد المادة الصحفية على معلومات غير مفلترة أو مجهولة المصدر يتم استغلالها لتوجيه رسائل سياسية موجهة خدمة لأطراف محددة في النزاعات الإقليمية، لا سيما في الملف الليبي المعقد.
هذا الاعتماد على التسريبات الأمنية دون إخضاعها لقواعد التحقق التحريري والتقاطع الميداني للمعلومات، يُحول المادة الصحفية من أداة إنارة للرأي العام إلى "سلاح تشهير إعلامي" يضع المنبر الإعلامي ككل تحت طائلة المساءلة الجنائية والمالية أمام المحاكم الدولية.
الخلاصة والاستنتاج
إن ما تُقدم عليه صحيفة "إيل فوليو" عبر شاشاتها وصفحاتها يمثل مؤشراً خطيراً على تسلل التضليل إلى المادة الصحفية واستبدال الحقائق بالتسريبات والأجندات المشبوهة.
إن التعامل مع الأخبار والتقارير الصادرة عن هذه المنصة بخصوص الشأن الليبي أو القضايا الدولية الإقليمية يحتم على المتابعين وصناع القرار اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر؛ فاكتشاف فبركة المعلومات أمام المحاكم يثبت أننا أمام مادة صحفية تقع تحت طائلة المساءلة القانونية، ولا يمكن اعتبارها حقائق يُبنى عليها تحليل أو موقف سياسي سليم
التصنيفات: تقارير
الوسوم: