365 يوماً من صناعة الجاهزية وبناء الإنسان

18:01:00 ~ 2026-08-19 سياسة

من إدارة السلاح إلى استثمار الإنسان
معادلة التوازن: الميدان، المؤسسة، والدبلوماسية
عام على رئاسة الأركان 
الفريق أول ركن خالد حفتر.. عام من بناء الجاهزية، وتطوير المؤسسة، والانفتاح العسكري، والاقتراب من المجتمع والرياضة
18 أغسطس 2025 – 18 أغسطس 2026


لم يكن عام الفريق أول ركن خالد حفتر في رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية عاماً عادياً في مسار المؤسسة العسكرية.

فمنذ صدور قرار تكليفه برئاسة الأركان العامة في 18 أغسطس 2025، ثم تسلمه مهامه رسمياً في 24 أغسطس، بدا واضحاً أن المرحلة الجديدة لا تقوم على إدارة المؤسسة العسكرية بالصيغة التقليدية، وإنما على الانتقال بها من منطق إدارة القوة إلى منطق بناء الجاهزية وتطوير القدرات وتحديث البنية المؤسسية.

وخلال عام واحد، تحرك رئيس الأركان على أكثر من مسار في وقت واحد: الميدان والتدريب، الكليات العسكرية، القوات البرية والجوية والبحرية، التعاون الدولي، أمن الحدود، مسار توحيد المؤسسة العسكرية، الشؤون الإنسانية والمجتمعية، ثم الرياضة باعتبارها جزءاً من بناء الإنسان والشباب.

من رئاسة الأركان إلى الميدان
أبرز ما ميز السنة الأولى هو الحضور الميداني المتكرر.
لم تقتصر مهمة رئيس الأركان على الاجتماعات المكتبية، بل امتدت إلى تفقد الوحدات والقواعد والمؤسسات التعليمية والتدريبية، ومتابعة مستوى الجاهزية والانضباط.
جولات ميدانية للاطلع على مستوى الجاهزية وسير العمل، والتي شملت الكلية العسكرية ومؤسسات التدريب والتأهيل، حيث أكد أن بناء الجيش لا يبدأ من السلاح فقط، وإنما من بناء الضابط والجندي وتأهيلهما مهنياً وعسكرياً.

التدريب.. الاستثمار في الإنسان العسكري
يمكن اعتبار التدريب أحد العناوين الرئيسية للسنة الأولى.
فقد شهدت الفترة تخريج دفعات عسكرية متخصصة، بعد برنامج تدريبي شمل تدريبات متقدمة في كافة الاركان والتخصصات العسكرية.
كما تابع رئيس الأركان برامج تأهيل الضباط، وامتحانات الترقية، مؤكداً أن الكفاءة المهنية والانضباط والتأهيل المستمر تمثل أساساً للارتقاء داخل المؤسسة العسكرية.
وامتد الاهتمام إلى برامج التعليم العسكري في الخارج، حيث تابع أوضاع الطلبة الليبيين الدارسين في المؤسسات العسكرية المصرية، في إطار برامج إعداد وتدريب الضباط وتبادل الخبرات.

وهنا تظهر إحدى سمات المرحلة:

الجيش الذي يريد أن يكون قوياً في الميدان، يجب أن يكون قوياً في المدرسة قبل الميدان.

«درع الكرامة 2».. اختبار الجاهزية
بلغ مسار رفع الجاهزية ذروة واضحة خلال عام 2026 مع مناورة «درع الكرامة 2».
حيث تابع الفريق أول ركن خالد حفتر ميدانياً استعدادات الوحدات المشاركة، كما تفقد جاهزية القوات قبل انطلاق المناورة التي وُصفت من جانب القيادة العامة بأنها الأكبر في تاريخ المؤسسة العسكرية الليبية. ونُفذت المناورة في مايو 2026 بمشاركة واسعة من القوات والوحدات العسكرية.

أهمية المناورة لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في الرسالة العسكرية التي حملتها:
الانتقال من التدريب المنفصل إلى اختبار القدرة على العمل المشترك والجاهزية العملياتية.

وبذلك أصبح التدريب خلال السنة الأولى جزءاً من منظومة أكبر:
تدريب → جاهزية → مناورة → تقييم → تطوير.


تطوير اركان ووحدات القوات المسلحة

لم يتعامل رئيس الأركان مع القوات البرية باعتبارها المجال الوحيد للتطوير.

بزيارة رئاسة أركان القوات الجوية وقاعدة بنينا الجوية، وأعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد تطويراً شاملاً في سلاح الجو، بما يشمل البنية التحتية والمعدات والطائرات الحديثة.
واكد من خلال جولاته للقوات البحرية، حيث تفقد قاعدة بنغازي البحرية، والتقى ضباط وآمري القواعد، وتناول في كلمته أهمية تطوير القوات البحرية وتعزيز دورها في الأمن البحري والتعاون الدولي.

وهذا يعكس اتجاهاً نحو بناء مفهوم متكامل للقوة العسكرية:
برية + جوية + بحرية + دفاع جوي + تدريب + قيادة وسيطرة.

الحدود والجنوب
كان الجنوب حاضراً بقوة في أجندة رئاسة الأركان.
وفي أبريل 2026، أكد خالد حفتر أهمية التنسيق بين القوى العسكرية والأمنية في الجنوب، مشدداً على ضرورة معالجة المعوقات التي تواجه هذه المنطقة الحيوية وحماية أمنها واستقرارها.
وفي يوليو 2026، شهدت الحدود الجنوبية مواجهات مسلحة أسفرت عن مقتل أحد الضباط، ونعى رئيس الأركان الضابط، مؤكداً حضور المؤسسة العسكرية في ملف حماية الحدود.

ومن هنا برز الجنوب باعتباره ليس مجرد جبهة أمنية، وإنما عمقاً استراتيجياً للأمن القومي الليبي.

المؤسسة العسكرية والتعاون الدولي
شهد العام الأول نشاطاً خارجياً ملحوظاً لرئيس الأركان.
في سبتمبر 2025، زار روسيا والتقى وزير الدفاع الروسي ومسؤولين عسكريين، وتركزت المحادثات على التدريب وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الدفاعية.
ثم توجه إلى مصر، حيث بحث التعاون العسكري والأمني وتابع برامج تدريب الضباط الليبيين في المؤسسات العسكرية المصرية.
وفي يونيو 2026، شارك في المؤتمر العسكري الدولي لرؤساء الأركان في لواندا بأنغولا، برعاية القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، بما يعكس توسيع دائرة الحضور العسكري الليبي في المحافل الإقليمية والدولية.

وفي يوليو 2026، بحث مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية تعزيز التعاون العسكري والأمني، بالتزامن مع متابعة تمرين مشترك بين القوات الخاصة الليبية والأردنية.

وهكذا لم يكن الحضور الخارجي مجرد زيارات بروتوكولية، بل ارتبط في أغلب الحالات بثلاثة ملفات:
التدريب – تبادل الخبرات – تطوير القدرات.

مسار توحيد المؤسسة العسكرية
من أبرز التطورات السياسية–العسكرية خلال السنة الأولى دخول ملف توحيد المؤسسة العسكرية في دائرة تحركات رئيس الأركان.
وفي يونيو 2026، بحث الفريق اول ركن خالد حفتر مع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» الخطوات العملية المتعلقة بمسار توحيد المؤسسة العسكرية.
كما شهدت الفترة لقاءات مع قيادات عسكرية من المنطقة الغربية، بما في ذلك لقاءات مرتبطة بعمل اللجنة العسكرية المشتركة.

وهذا المسار يضع رئاسة الأركان أمام استحقاق يتجاوز تطوير القوات التابعة لها إلى السؤال الأكبر:


هل يمكن تحويل القوة العسكرية الموجودة إلى مؤسسة عسكرية ليبية أكثر توحيداً وتنظيماً؟

الجيش والمجتمع.. إعادة تفعيل مكتب الشكاوى
من أكثر الخطوات ذات الدلالة الإنسانية والمؤسسية إعادة تفعيل مكتب الشكاوى والتظلمات برئاسة الأركان.
الخطوة اكتسبت أهمية خاصة لأنها تفتح قناة مباشرة أمام المواطنين للتقدم بالشكاوى، وتربط المؤسسة العسكرية بمفهوم الاستجابة للمواطن، وليس فقط بتنفيذ المهام الأمنية والعسكرية.
وفي يونيو 2026، نُشرت وقائع عن تدخل مكتب الشكاوى في قضية عقار قيل إنه كان مغتصباً لأكثر من عشر سنوات، في إطار متابعة شكاوى المواطنين.

وهنا يمكن تسجيل تحول مهم في الصورة المؤسسية:
الجيش لا يظهر فقط عندما يحمل السلاح؛ بل يظهر أيضاً عندما يسمع شكوى المواطن.

البعد الإنساني
لم يتوقف الحضور الإنساني عند الشأن العسكري.
ظهرت خلال العام مبادرات فردية ومجتمعية نسبت إلى للفريق اول ركن خالد حفتر، من بينها تكفل بمصاريف علاج أسرة ليبية، ومبادرات لتوفير السكن لعائلات محتاجة، إلى جانب اهتمام بذوي الهمم.

كما ظل ملف الشهداء حاضراً في خطاب رئيس الأركان، خصوصاً في المناسبات العسكرية وفي حالات فقدان منتسبي القوات المسلحة.

وهذه الممارسات، إذا أريد لها أن تتحول إلى سياسة مؤسسية، يمكن أن تؤسس لملف أكبر بعنوان:
«المؤسسة العسكرية ومسؤوليتها الاجتماعية».

الرياضة.. من النشاط إلى القوة الناعمة

كان للرياضة حضور لافت في السنة الأولى.
ومن أبرز المبادرات تخصيص جوائز مالية لكل الرياضات ودعمها الكامل سواء كانت الرياضات العسكرية او الرياضات الاخرى وكان سباقا دائما في تتويج الفرق المتحصل على الدوري الممتاز لكرة القدم الليبية دون تفرقة او انحياز مما يدل على اهمية الرياضة في نظره ودورها المهم في توعية الشباب في ليبيا.
كما ارتبط اسم الفريق اول ركن خالد حفتر بدعم النشاط الرياضي والشبابي، وبمشروعات مرتبطة بالبنية الرياضية داخل المدينة العسكرية.
وفي ديسمبر 2025، حصل على جائزة تقديرية من الاتحاد العربي للثقافة الرياضية، بصفته رئيساً فخرياً للاتحاد الليبي للثقافة الرياضية، تقديراً لرعاية الأنشطة الشبابية والرياضية ودعم الأندية والمبادرات الثقافية والوطنية.

وهنا تبرز فلسفة مختلفة للرياضة:
الرياضة ليست ترفاً في المؤسسة العسكرية؛ إنها جزء من بناء الإنسان، والانضباط، واللياقة، والروح الوطنية.
الحصاد في صورة واحدة

إذا أردنا اختزال السنة الأولى في مجموعة من العناوين، فإنها تبدو هكذا:

1. رفع الجاهزية العسكرية.
2. توسيع برامج التدريب والتأهيل.
3. دعم التعليم العسكري والارتقاء بمستوى الضباط.
4. تطوير القوات الجوية والبحرية وبقية الأفرع.
5. تعزيز أمن الجنوب والحدود.
6. تنفيذ ومتابعة مناورات عسكرية واسعة النطاق.
7. توسيع التعاون العسكري الخارجي مع دول عربية وإقليمية ودولية.
8. الانخراط في ملف توحيد المؤسسة العسكرية عبر مسار 5+5.
9. إعادة تفعيل مكتب الشكاوى والتظلمات وربط المؤسسة بالمواطن.
10. حضور إنساني ومجتمعي يتجاوز الإطار العسكري.
11. دعم الرياضة والشباب.
12. توظيف الرياضة كجزء من بناء الإنسان والقوة الناعمة للمؤسسة العسكرية.
ماذا تقول السنة الأولى عن شخصية القيادة؟
ربما لا تكمن أهمية السنة الأولى في عدد الزيارات والاجتماعات، وإنما في الاتجاه الذي أخذته المؤسسة.
الانتقال من مفهوم «جيش يحافظ على ما لديه»

إلى مفهوم:

«جيش يطور ما لديه ويختبر جاهزيته ويبني أجيالاً جديدة من الضباط والجنود».
ومن الميدان إلى الكلية العسكرية.
ومن الحدود إلى المحافل الدولية.
ومن الطائرة والقطعة البحرية إلى الملعب الرياضي.
ومن مكتب رئاسة الاركان إلى مكتب شكاوى المواطن.
ومن حماية الأرض إلى الاستثمار في الإنسان.
وهذا هو المعنى الأوسع للسنة الأولى.
عامٌ أول.. لكنه ليس نهاية الحكاية
بعد عام واحد، لا يمكن القول إن عملية بناء المؤسسة العسكرية قد اكتملت؛ بل العكس.

فالمرحلة المقبلة ستضع رئاسة الأركان أمام اختبارات أكبر:

تطوير القدرات النوعية، استمرار رفع الجاهزية، بناء الكفاءات، تعزيز حماية الحدود، تطوير القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي، توسيع التدريب المشترك، وتعزيز مسار توحيد المؤسسة العسكرية.

القوة العسكرية الحديثة لا تُبنى بالسلاح وحده
إنها تُبنى بـالعقيدة، والانضباط، والتدريب، والتعليم، والجاهزية، والإنسان، والمجتمع، والرياضة، والعلاقات الدولية.
وفي هذا المعنى، يمكن قراءة السنة الأولى باعتبارها سنة:

«من تثبيت الموقع.. إلى بناء المؤسسة، ومن بناء القوة.. إلى صناعة الجاهزية»


عامٌ مضى من المسؤولية… وعامٌ جديد يبدأ من حيث انتهى العام الأول: جيشٌ أكثر تدريباً، مؤسسةٌ أكثر تنظيماً، وجاهزيةٌ تُختبر في الميدان لا في المكاتب.

التصنيفات: سياسة

الوسوم: