عندما تصبح ثروة الليبيين وسيلة لشراء الرضا الخارجي
مغازلة ميلوني للدبيبة... من يدفع الثمن؟
منذ سنوات، اعتاد الليبيون على سماع الشعارات ذاتها: التنمية قادمة، الخدمات ستتحسن، والإيرادات النفطية ستنعكس على حياة المواطنين. لكن الواقع يكشف في كل مرة مفارقة صادمة؛ فكلما ارتفعت عائدات النفط، ازداد شعور المواطن بأن نصيبه من هذه الثروة يتراجع، وأن الأموال تتدفق في كل الاتجاهات إلا الاتجاه الذي ينتهي عنده هو، صاحب الحق الأول فيها.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز التقارب المتزايد بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بوصفه نموذجًا صارخًا لكيفية إدارة السياسة الخارجية الليبية في السنوات الأخيرة. فالعلاقة التي يجري تسويقها باعتبارها نجاحًا دبلوماسيًا تبدو في حقيقتها أقرب إلى معادلة غير متوازنة، إيطاليا تحصد المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية، فيما لا يرى الليبيون سوى المزيد من الأعباء وغياب العائد الحقيقي على حياتهم اليومية.
السياسة بطبيعتها قائمة على المصالح، ولا أحد يلوم ميلوني أو حكومتها على سعيها لحماية الاقتصاد الإيطالي وتأمين احتياجات بلادها من الطاقة. فالدول المحترمة تقيس نجاح حكوماتها بمدى قدرتها على خفض الأعباء عن المواطن، وتوفير الوقود والطاقة بأسعار مستقرة، ودعم النمو الاقتصادي.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه الليبيون على أنفسهم هو: هل تتصرف الحكومة الليبية بالعقلية نفسها؟
هل أصبحت حماية معيشة المواطن الليبي أولوية فعلًا؟ أم أن الأولوية الحقيقية باتت تتمثل في البحث عن اعتراف خارجي ودعم سياسي دولي مهما كان الثمن؟
اللافت أن ليبيا اليوم ليست دولة فقيرة تبحث عن المساعدات، بل دولة تملك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا. ورغم ذلك يعيش الليبيون في واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الدولة الحديثة. الكهرباء لا تزال أزمة مزمنة، والبنية التحتية منهكة، والقطاع الصحي يعاني اختلالات واسعة، والتعليم يواجه تراجعًا مستمرًا، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن عامًا بعد آخر.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تتحول الثروة النفطية إلى محرك لإعادة بناء الدولة وتحسين جودة الحياة، أصبحت في نظر كثير من المراقبين أداة سياسية تستخدمها السلطة لترتيب تحالفاتها الخارجية وضمان بقائها في المشهد.
المشكلة هنا لا تتعلق بإيطاليا وحدها، بل بعقلية حكم كاملة نشأت خلال السنوات الماضية، يمكن وصفها بعقلية "إدارة الثروة من أجل السلطة، لا إدارة السلطة من أجل حماية الثروة".
فبدل أن تكون عائدات النفط وسيلة لتحقيق التنمية، تحولت تدريجيًا إلى وسيلة لشراء الولاءات السياسية، وإبرام التفاهمات الخارجية، وإدامة شبكة واسعة من المصالح المرتبطة باستمرار الوضع القائم.
لقد نجحت حكومات كثيرة حول العالم في تحويل الموارد الطبيعية إلى رفاه اقتصادي لشعوبها، بينما تبدو التجربة الليبية وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس؛ فكل زيادة في الإيرادات لا ترفع من مستوى الخدمات بالقدر نفسه، ولا تحسن من حياة المواطنين بقدر ما ترفع حجم الإنفاق الحكومي والالتزامات السياسية المرتبطة به.
والأخطر من ذلك أن المواطن الليبي بات يشاهد مشهدًا عبثيًا يتكرر بصورة شبه يومية: دولة نفطية غنية، لكنها عاجزة عن توفير خدمات مستقرة لمواطنيها. خزائن الدولة تستقبل مليارات الدولارات، لكن المواطن لا يرى أثرًا حقيقيًا لهذه الأموال في الشوارع أو المستشفيات أو المدارس أو شبكات الكهرباء.
وهنا يكمن جوهر الأزمة.
فالقضية ليست في تصدير النفط، ولا في بناء علاقات دولية مع أوروبا، ولا حتى في التعاون مع إيطاليا نفسها. القضية تتعلق بالهدف من كل ذلك.
هل تُدار السياسة الخارجية الليبية لتحقيق مصلحة المواطن الليبي؟ أم يُطلب من المواطن مرة أخرى أن يدفع تكلفة ترتيبات سياسية لا تعود عليه بأي منفعة ملموسة؟
الإجابة تبدو واضحة في التفاصيل اليومية للحياة الليبية. فبينما تستفيد حكومات أجنبية من الطاقة الليبية ومن الشراكات الاقتصادية المربحة، لا يزال الليبي يبحث عن كهرباء مستقرة، وخدمة صحية محترمة، وفرصة عمل حقيقية، وبيئة معيشية تحفظ له الحد الأدنى من الكرامة.
وما يزيد من مشاعر الغضب أن الطبقة الحاكمة تتعامل مع الثروة الوطنية وكأنها رصيد سياسي خاص يمكن توظيفه للبقاء في السلطة، بينما يتعامل المواطن معها باعتبارها حقًا عامًا جرى الاستيلاء على ثماره.
لقد أصبح الليبيون أمام معادلة قاسية: كلما ازدادت أهمية ليبيا بالنسبة للعواصم الأجنبية، تراجع حضور المواطن الليبي في حسابات حكومته. وكلما ارتفعت قيمة النفط الليبي في الأسواق العالمية، ازداد الشعور بأن هذه الثروة لا تعمل لصالح أصحابها الحقيقيين.
إن الدول لا تُقاس بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى ازدهار للمواطن. أما حين تصبح الثروة مجرد أداة لإرضاء الخارج وتمويل شبكات النفوذ وإطالة عمر الأزمات السياسية، فإنها تتحول من نعمة إلى لعنة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: ماذا كسبت ميلوني من علاقتها بالدبيبة؟ بل ماذا كسب الليبيون من كل هذه التفاهمات والاتفاقات والعلاقات؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مؤلمة.
فإيطاليا تحمي مصالح الإيطاليين، والحكومات الأوروبية تدافع عن اقتصاداتها، أما المواطن الليبي فما زال ينتظر من يدافع عن حقه في ثروة بلاده. ثروة كان يفترض أن تبني وطنًا مزدهرًا، لكنها تحولت بفعل سوء الإدارة والفساد السياسي إلى وقود يبقي الأزمات مشتعلة، ويغذي مصالح قوى الداخل والخارج على حد سواء.
إن ليبيا ليست خزنة مفتوحة للحسابات السياسية، وليست جائزة تُمنح في صفقات النفوذ، بل وطن يمتلكه شعب يستحق أن يكون المستفيد الأول والأخير من كل برميل نفط يُستخرج من أرضه. وفي اللحظة التي تغيب فيها هذه الحقيقة عن صناع القرار، تتحول الدولة إلى مشروع للنهب المنظم، وتتحول الثروة الوطنية إلى قصة أخرى من قصص الفساد والإفساد التي يدفع ثمنها المواطن.
التصنيفات: سياسة
الوسوم: