من طوابير السينما والمسرح إلى «موت سريري».. أين اختفت الثقافة في ليبيا؟

16:31:51 ~ 2026-09-01 ثقافة

سينما النصر ببنغازي

 

بنغازي – يتذكر رجل سبعيني طفولته في بنغازي، بحسرة متذكرا حين كانت الثقافة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لا نشاطًا هامشيًا. كان النادي الأهلي قريبًا من منزله في شارع عمر المختار، وكانت دور السينما موزعة على الأحياء، فيما تستقبل المراكز الثقافية الأطفال والشباب بأنشطة وكتب ومجلات وأفلام.

 

قال الرجل الذي اختار عدم ذكر اسمه لصحيفة «اليوم 24» وهو يستعيد تلك السنوات بكلمات امتزجت فيها فخر الماضي بمرارة الحاضر: «ما كانش عندي جوع ثقافي، كنا شابعين ثقافة».

 

كانت دور السينما منتشرة في أنحاء بنغازي؛ من «الهايتي» و«النصر» إلى «سينما ليبيا» في الماجوري و«الشرق» في الصابري و«الحمراء» في سيدي حسين، إلى جانب صالات أخرى تستقطب العائلات والشباب. وكان الذهاب إلى السينما أو النادي جزءًا من الحياة الاجتماعية للمدينة.

 

ولا تتوقف ذاكرته عند السينما، ففي ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات، كانت المراكز الثقافية المصرية والبريطانية تقدم أنشطة وعروضًا مجانية، فيما كانت المكتبات وأكشاك الصحف توفر للقراء مجموعة واسعة من الكتب والمجلات العربية، بينها مجلات الأطفال التي كانت تجذب الصغار حتى قبل أن يتعلموا القراءة.

 

وقال «حين كانت تلك المساحات موجودة، كان الشباب يجدون ما يشغل وقتهم ويغذي عقولهم؛ أما اليوم، فإن غيابها يترك فراغًا يمكن أن تستغله الظواهر السلبية، من المخدرات إلى الأفكار المتطرفة

 

واليوم تراجع المشهد تدريجيًا، حتى وصل إلى ما وصفه، «الموت السريري» للثقافة، باستثناء محاولات متفرقة من الأدباء والفنانين والمثقفين لإبقائها حية عبر الندوات والأمسيات والمبادرات الثقافية.

 

ويرى مؤسس «مركز براح للثقافة والفنون» في بنغازي، حازم فرجاني، أن الأزمة أعمق من مرحلة سياسية واحدة، موضحًا أن نقص المؤسسات الثقافية وتراجع تنوعها تراكم على مدى سنوات طويلة، بما في ذلك فترات كان النشاط الثقافي خلالها محكومًا برؤية واحدة وتحت إشراف سلطوي.

 

وقال فرجاني لصحيفة «ا اليوم 24» إن سنوات الأزمات دفعت الليبيين إلى التركيز على أساسيات الحياة، على حساب الفن والثقافة والموسيقى، لكنه يحذر من أن غياب هذه المساحات يترك فراغًا أمام الشباب.

 

فالمؤسسات الثقافية، في نظره، ليست مجرد أماكن للترفيه، بل مساحات لحماية الشباب من الفراغ والمخدرات والجريمة والظواهر الاجتماعية السلبية، كما تمنحهم فرصة للتعبير وبناء الثقة وتنمية التفكير والإبداع.

شبان يجلسون تحت المباني


ويضيف أن الثقافة يمكن أن تؤدي دورًا في مواجهة الأفكار المتطرفة وخطابات العنف، عبر توفير بيئة للحوار والاختلاف والتفكير النقدي، بدل ترك الشباب أمام الفراغ أو مصادر تستغل حاجتهم إلى الانتماء.

 

وهنا تلتقي ذاكرة السبعيني مع رؤية فرجاني: الأول يتذكر مدينة كانت توفر للشباب السينما والنادي والمكتبة والمركز الثقافي، والثاني يحاول اليوم استعادة جزء من تلك المساحات في واقع أكثر تعقيدًا.

 

وبين الماضي والحاضر، لا تبدو المسألة مجرد حنين إلى دور سينما ومسارح أغلقت أبوابها، بل سؤالًا عن نوع المجتمع الذي تريد ليبيا أن تبنيه لشبابها؛ مجتمع يترك لهم الشارع والفراغ، أم يوفر لهم مسارح ومكتبات ومراكز فنون وفضاءات يستطيعون فيها التعلم والإبداع والاختلاف بأمان.

 

ففي بلد أنهكته سنوات الصراع، قد لا تكون إعادة الحياة إلى المؤسسات الثقافية ترفًا، بل جزءًا من معركة أوسع على بناء الإنسان، ومواجهة المخدرات والتطرف والعنف، وفتح طريق أمام جيل جديد نحو مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

 

التصنيفات: ثقافة

الوسوم: